(واقعيّة الإسلام بعيدا عن الخرافة)

 بقلم: زينة محمد الجانودي 

 الخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرّد تخيّلات دون وجود سبب عقليّ أو منطقيّ مبنيّ على العلم والمعرفة، وقد وردت كلمة الخرافة حسب لسان العرب لابن منظور:"والخرافة الحديث المستملح من الكذب" ، وقد عُرِفت الخرافة منذ القدم. فمنذ أكثر من أربعة آلاف سنة، كان النّاس يتطيّرون ويتشاءمون. وقد وُجِد في الحفريّات والآثار الفرعونيّة والسّومريّة والبابليّة... الكثير من المنحوتات التي تتضمّن التمائم والكتابات التي تدفع شرّ الشيطان وشرّ الحسد.
وترتبط الخرافات أحيانا بفلكلور الشّعوب، حيث أنّ الخرافة عادة ماتمثّل إرثا تاريخيا تتناقله الأجيال،أي عقيدة التّوريث المبنيّة على وراثة الخرافة أباً عن جدّ.
الخرافة موضوع خطير وشائك، وهو سبب رئيسي من أسباب التخلّف في المجتمعات، لانّه يسبّب الإنعزال عن الحقيقة والواقع.
من مظاهر الخرافة: ادّعاء علم الغيب، والسّحر، معرفة المستقبل بالخطّ على الرّمل، أو بالأرقام والحسابات، أو بالنّظر إلى النّجوم والتّبصير...
وهناك مظاهر أخرى للخرافة، تتجلّى في ادّعاء بعض المضلّلين الصّلاح، ويخدعون الناس باسم الدّين ( الشّيخ الرّوحاني والشّيخة الرّوحانيّة)، فيتسلّق حولهم المغرّر بهم ويقدّمون لهم الأموال والهدايا...
 ونلاحظ أنّ هؤلاء الذين يتاجرون باسم الدّين، الذين يطلقون على أنفسهم (الرّوحانيين) لا وجود عندهم  لشيء اسمه مرض نفسي، فكلّ مايصاب به الإنسان هو جنّ ومسّ شيطاني، ويجب أن يذهب عندهم، حتى يخرج الجنّ منه بضربه بالعصا فينطق الجنّ ويعترف، ويخرج من هذا الإنسان وهنا تكتمل إنجازات هذا الرّوحانيّ المقدّسة.
 ومن مظاهر الخرافة أيضا، "أرسل هذه الرّسالة إلى أربعين شخصا، وبعدها بإذن الله ستسمع خبرا جميلا"، وأخرى "إن لم ترسل هذه الرّسالة إلى عشرة أشخاص سيغضب الله وملائكته عليك"، وتعليق حدوة الحصان باتّجاه الأعلى، والخرزة الزّرقاء في مداخل البيوت، وتضليل النّاس بأنّ الأضرحة وقبور الصّالحين تشفيهم من الأمراض، وهذا القبر إن لم تقبّله فلن توفّق، كلّ هذه المظاهر ليست مؤامرات ماسونيّة ولا مخطّطات صهيونيّة، إنّما هي خرافات يصدّقها عقل ومجتمع بسيط.
 وقد ربط الفلاسفة وعلماء الاجتماع ظهور الخرافات وانتشار الشّعوذة بالضّعف والجهل، فكلّما سيطر الجهل وعمّ الضّعف في المجتمع، كلّما زادت حركة المشعوذين وراجت الخرافة.
والغريب أنّه في ظلّ التطوّر والتقدّم المذهل،وانتشار العلم في مختلف المجالات إلا أنّ الخرافة، مازال لها تأثيرها الطّاغي، وتنفق في سبيلها مليارات الدّولارات كلّ عام، سعيا وراء المجهول، وذلك بسبب سيطرة التّفكير السّطحيّ والتّحليل القشريّ، وغياب العقلانيّة، والابتعاد عن المعنى الحقيقي للدّين.
إنّ مجتمعاتنا تعاني بشكل كبير من انتشار الخرافة والشّعوذة وسيطرتهما على عقليّة فئة كبيرة من المجتمع، فَتُعطَّل ملكة العقل التي هي نعمة وهِبَة من الله عزّ وجلّ، وهبها للإنسان ليوظّفها في خدمة نفسه وحلّ مشاكله، وخدمة المجتمع والرقيّ بأفراده.
من أسباب اللّجوء إلى الخرافة: عندما يتوهّم الإنسان بأنّ هذه الخرافة تخفّف من خوفه وقلقه، وتعطيه إحساسا بالسّيطرة على حياته، أو تمنحه قوّة لمواجهة المجهول، وهذا يحدث نتيجة لعدّة أمور منها :
١_ ضعف الإيمان والوصول إلى حالة من اليأس والقنوط من رحمة الله، فقد يدفعه يأسه لتجربة جميع الطّرق التي قد تنقذه، فيلجأ إلى الذين يوهمونه بامتلاكهم الكثير من الحلول، وأنّ لديهم القدرة على حلّ مشاكله ومعاناته.
٢_الوصول إلى قناعة أنّ العلاج ليس شافيا بسبب عدم التشخيص الدّقيق لما أصابه من مرض وما حلّ به من داء، ويبرّر اللّجوء إلى هذه الطّريق، بأنّ أنواعا عديدة من العلاج لم تؤدّ إلى شفائه، أي مع غياب الأمل في الشفاء أو عدم قدرة الطّب على تخفيف الألم.
٣_ الغير مصاب بأمراض عضويّة، وإنّما هو مصاب بأمراض نفسيّة،وحيث أنّ التشخيص الأوّلي لمرضه غير دقيق، ومراجعته لعيادات الأطبّاء تجعله يشعر أن لافائدة من مراجعة العيادات والمستشفيات، خاصّة وأنّه يتوهّم أنّه مصاب عضويّا،وهو خلاف ذلك.
تعتبر الخرافة مهما كان نوعها، ثقافيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة سيّئة ولها توابع خطيرة، لكنّها حين تتواجد في الفكر الدّيني، والتّعاليم الدينيّة، تبعد الإنسان عن استخدام عقله، وتُحْدِث فجوة بينه وبين حقيقة دينه، وتكون أعظم أنواع الخرافة خطرا وأشدّها ضررا، لأنّ التّعاليم الدينيّة والفكر الدّيني بشكل عام يشغلان الحيّز الأكبر والمهمّ في حياة الإنسان.
 والسّؤال الذي يطرح نفسه، هل هذا مايحتاجه إسلام اليوم بأن نحوّله إلى دين خامل؟! أيحتاج …


 

تعليقات

المشاركات الشائعة