قصيدة //ابتسم أيها الغراب

 


كلمات //مصطفى عبادة

ابتسم أيها الغراب

أبدو كئيباً في الصوّر

نائماً أو لا ملامحَ لي

يخاصمني الضَّوْء، وعين الكاميرا

دائماً يبدو الأمرُ هكذا

ويتكررُ في كل مناسبةٍ

فتظهر عينْايَ مُغْلقْتين

كتفايَ كشماعة فارغةٍ

وقلبي مليئاً بالزحام

في ليلة الزفاف

همس المصّور في أذني

ابتسم أيها الغراب

لا تسوِّد الليلة

"الساكن في السموات يضحك"

فصنعتُ أجنحةً وريشاً

وعشت، كأنني عشت، بين فراشاتً

وابتسمت

وحين امتلكتُ

أوّل كاميرا في حياتي، هديةً

صوّرت نفسي

أمام مرآةٍ

تأملت وجهي

وانتشيتُ كـ"نرسيس"

لكنني نسيتُ الضغط

على "زر" التصوير   

فضاعت اللحظة كلها

***

لم أستطيع هذه المرة

أن أحوّل الغضبَ إلى قصيدةٍ

أو أجعل الحزن أغنية للحزانى

أنا اليوم مجردُ رجلٍ صامدٍ

يومئ ليس إلاَّ

لو مر الهواءُ إلى جواره

فاضَ

ولو عبرته رائحةٌ دَنَا

أنا اليوم رجل

حاز نصيبه من الليلِ كاملاً

لا يريد الشعر أو الخلود

يريد رائحة إبطيك

ليس إلاَّ

ورائحة الرغبة أو صوت الدّم

اليوم غادرني الملاك

وأريد أن أستعيد أجنحتي

التي سرقتها الطيورُ

لأضخ الهواء

فوق ظهرك العاري

ثم أقفز في الماء

اليوم غادرني الملاك

طرده عبد الحليم حافظ

طرده الشعر والأحلام المؤجلة 

الرجل الذي مضى إلى آخر الأرض

يجمع الغيم والريح

وحين راَسَلَ "درو باريمور""

ردتّ عليه

وحين حيا "آن هاثاوي""

خمنت أنه مجنون

الذي صدّق في لحظة

 أنه نبي

وأنَّ أحداً

لن يصيح في وجهه مرة أخرى:

ابتسم أيها الغراب

***

تذكرين المنديل

الذي وضعته تحت إبطك؟

عثرت عليه بالأمسِ

بين الأوراق

تراكمت عليه الكتب

لكنه مازال نديَّا كما كان

ورائحتك باقيةً

المنديل لا يزال حيا

أنا الرجل الذي قابل امرأة

لها تسعة أبناء

وحين تذكرته سخرت من نفسها

وتمتمت:

يا لك من غراب عنيد

إذا غادرتُكَ

من سيثبت أن الأنوثة خالدةً

أو يشير إلى الطريق الطويل

الذي غادرناه

دون مغامرة

***

متى كنتُ شخصاً منتظماً

يصحو في الثامنة

يهرب من لظى الشمس

ويخشى عواء الناسِ

فيرعى أعشابَه

الضارةَ وحده

يلف على الأماكن

رُكناً رُكناً

هنا خَدعَنَا  النادلُ

هنا تشمّمتُ أصابعي

بعد لمسةٍ

أقف أمام المحلات

أشترى الأطباق

والسكاكين

وأعرف الفرق بين سكين و أخرى

حفاظاً على أصابع "رؤى"

هذا الإسدال مناسب لها

وهى تصلي

وهذه أكياس لحفظ الملابس

متى كنت شخصاً منتظماً

لا يفكر في المعصية

فور الخروج من البيت

ويفضّل المترو كأقنان المكاتب

من كان يمشى

أو يجلس في أقربِ "غُرْزةٍ"

يفكرُ في قصيدةٍ

أو حيلة للقاء المحرّم

متى بدأ الدبيب الخفيف

وحلّت الأشجار

محل الغابات؟

من بدّلنى؟

من أوْحى إلى الغيم الخصام؟

كيف تنكر الوقت لي؟

وكل شيء كالصدى المرير

من صيّرني

ذلك الأبَ الغريبَ؟

النبيَ الذي تقشَّرَ ظهرٌه

بسياط المحبة؟

 ***

أيها المصوّرُ

لا تكن قاسياً

دع العدسة وحدها تراني

اترك للزجاج

حرَّية الشجَّن

ذلك الظل الذي يبدو

أمامك الآن دون مجازٍ

ودون نبوّة

يعشق الغرز الصغيرة

والمقاهي

يمشي من شارع إلى شارع

ليكتب تاريخه السّريَ

وكم تسبيحةً في اليوم

أيها المصوّر

كيف يمكنك تحديد ملامحي؟

وكم الأسى خلف الرضا

لا تكن قاسياً

دع العدسة وحدها تراني

دع يد الإنسانِ

محايدةً

هذا عطشٌ لا ماء له

فلا تهمس لي:

ابتسم أيها الغراب


تعليقات

المشاركات الشائعة