ديوان (أشياء) عبير الشباب وفرحة كهول الأدب!!..
ديوان (أشياء) عبير الشباب وفرحة كهول الأدب!!..
سيد محمد الياسري*
حين يكسر الزمن، وتتعلق مطارح الخوف في تكوين الشجون إلى أطراف السمر والظهور، نجد أنهم شباب بزغت الشمس من أطراف أناملهم، كسروا طوق الكبار وحصار الكلمة وفولاذ العجز، بإصدار ديون ( أشياء ) ولعله اعتنى بأشياء أكثر مما سجل، فظهوره بهذا العمر إعجاز في عصر تحلحل فيه العُقد إلى عُقد أخرى ومجتمع لا يحب التسامح بقدر خوفهم من التنافس، ربما لأنهم مثلوا من ماتت أحلامهم في زمن القهر، وهم يكسرون أقلامهم خوفا من نظام أو هلعا من تقليد أو حصار من مال، فيه صراع لقمة العيش السائدة ، والكلمة ضاعت في ازدحام الصراع حولها ، وضنك المعيشة ، والقسمة الضيزى التي أكلت من كف الميزان ترابا واكل من طرفه الثاني الذهب ، في هذا وذاك كان ( أشياء ) ليس بارقة أمل وحسب لمن كتبوا فيه سطور اليتم والألم وضياع الفكر والتشتت والخوف، بل فرحة اكتسبت كل الأدباء الذين خط الشيب مزارع وجوههم ولم تصل ما خطت أناملهم إلى الطباعة !؟
الديوان تكوّن من ١٠ شعراء، كان الشعر خطاهم الأولى كطباعة.. لان من قراءة الديوان كانت تلك القصائد الشعرية اكتسبت بانزياحاتها خاصية الشعر واخذ الإيقاع في تركيبه المتعنت نزوحه إلى قصيدة الشعر النثرية أكثر استيطانا، ولاح في تنظيمه الهجائي روعة أشارت فيه إلى قلقلة المجتمع وتخبطه، ودليلا على زمن مشت الناس في تركيب الفضاء الخارجي والابتعاد عن الجوهر، لذا كان عزلا بين الجنسين بدأ بالذكور وراح تسلسل حروفه أن يميط اللثام عن ست إناث، خصبت كلماتهن اثر الربوبية ( الوالدين) منحى اشبع إحساسهن بالحياة الجديدة التي تنتظر النضوج والتركيب الذي يسير بمركبها عن أمواج كاسرة لأوزان البحور الستة عشر .
اكبر الشعراء زهرة ميثم الركابي عمره ٢٨ ربيعا وأصغرهم نرجس عزيز ناظم ١٥ ربيعا، وما أجمل ذلك الربيع الذي يتراوح بين العمرين ليطوحوا ( أشياء) المكتظ بالأمل والخوف، تحت قصائد وعناوين أحسن اختيار المتون والمضمون، بحسن اختيار العنوان، واليكم الشعراء ومواليدهم وعناوين قصائدهم :
احمد فلاح السعدون /واسط ١٩٩٢ بلايا كالموتى
حسين الرياسي / البصرة ١٩٩٤. تجلايات عابرة
علي القيسي / بغداد ١٩٩٢ البنفسج
عمر ميثم الكناني / بغداد ١٩٩٠ من اين ابدأ
مريم اسامة الخفاجي /ذي قار ٢٠٠١ / حروف ألون بها
مريم علاء القيسي / بغداد ١٩٩٨ صدى الروح
ملاك قحطان / بغداد ١٩٩٣ رفاة ألم
ميسرة حميد/ بغداد ٢٠٠١ بأقل قدر من الصراخ
نرجس عزيز ناظم / النجف ٢٠٠٣ ذوالقلب النرجسي
نور الهدى حازم /القادسية ٢٠٠٢ الياسمين الذابل
الديوان إصدار دار ومكتبة Old book في طبعته الأولى وشمسه المشرقة من بغداد لعام ٢٠١٨، بإعداد محمد صباح الصائغ الذي عرف الديوان بمقدمة قصرت مسافات الأشياء إلى متعة المتابعة بأنها أشياء من الروح وبوح الوجدان، الذي من لم يقرأه بات عليه خفيا، في ١٠ شعراء وكأن الصفر والواحد وليدان انطلاق مسيرة وشاهدان على كسر طوق الخفاء .
من ابرز ظاهرة هذا الديوان انه لاح العمق فيه بالعين المجردة ، فالكلمة فيها صادقة، هادئة، لم يقصد بها الشاعر الالتواء في البحث والتشذيب في طرائق البلاغة المتبعة، ولم يرسم لانزياحات البنية وخروجها من مقتضاها اللازم إلى مقتضى تسرح فيه الأخيلة، لذا كانت القصائد شعرية بما تعطيه الشعرية من عدول في بلاغة الأولين وانزياح في عصر اخذ فيه المعنى إطار الاستعارة ، وترصيع في متون الإيقاع المبتعد عن الخليل واذان حدو البعير في قافلته الموغلة في الرمال
واشترك الجميع فيما يتعلق بالوضوح واختفاء الرمز، فلربما اختفاءه دال على مدرستهم التي غابت عنا لسنين، وظهرت بالتجلي (كلما تذكرت إهمالهم لدمعي منعت نفسي عن البكاء) هذه صرخة مريم اسامة الخفاجي, وان كان حرف الجر غير أطراف المنع فكانت صورة ظاهرة ولاسيما اختزلت طفولتها في القصيدة لأنها صورة يتيم ينظر من أبعاد مختلفة ، بين حس واقعه ، وخياله الذي لا يراه الجميع ، بقدر تلك السعة رسمت ذلك الطفل (حتى ضحكة الطفل البريء لن تزهر ارواحهم ) فهي ترى ذلك الطفل بأوسع من تلك المدارك وتلك العيون الذارفات ، فكانت الشعرية اختزلت منها البنية من معناها إلى انزياح أخر وصورة أخرى خرجت من التركيب بين مفردة وأخرى إلى تشبيهات حولت الجمل إلى معاني اكتسبت سعة خارج إطار مضمونها المنطوي في صدق وجمال ، ليس هذا الخيال خص شاعرة دون أخرى أو شاعر دون أخر حتى برزت ظاهرة المفردة كما في قول حسين الرياسي ( خيال تخطى حدود الكون) أو بإشارة كما في قول احمد فلاح السعدون عن أحضان امه فاختار في يتمه الأحلام من خيال يسرح فيه باليقظة وحلم يتمتع فيه برؤية وجه أمه بالسبات(لا تحزن فلأحلام كثيرة ، ستلتقط حلما خبأه لك الله) أو تصريح الحلم مع الخيال كقول علي القيسي (حلمها البعيد جرح لن يندمل ، يستهويها الخيال المفرط)
اشترك الشعراء بأيدلوجية بين الجميع، من دون تخطيط وهو تعبير الفقدان والتخبط الذي يزاوله المجتمع في وضعه الحالي ، فهم لم يعاصروا زمن الكبت، بمعنى الواقع بحد ان حرمان طفولتهم، ليس من الاباء أو الأمهات في مواقع بعضهم من اليتم، بل ان حرمانهم في طفولتهم بزمن الشظف والقهر والحرمان وحين تعدها تعدى ذلك الحرمان بسقوط الجبروت, وخروج كل متطلبات الطفولة من بواطن الأرض ، ومع بداية البلوغ ذهب الأمان وصار الجميع مسيحا يصلب، ويضرب بالحجارة بعدما كانوا الجميع ينتظرون منه النظرة التي تشفي من الجنون أو البرص أو العمى ، فكانت تلك الازدواجية في المجتمع التي ظهرت وظهر معه شبح الحرب والموت وعبادة الذات وتمثيل الإلهة ، كأن عصر بابل أو الإغريق هنا حيث تتقاتل الإلهة معا بظلها مع البشر، فكان مدن الأشباح كقول ميسرة حميد ( سنموت كثيرا قبل ان ندفن ، وسنمر بالطرقات القديمة ونحن لا نشبه أنفسنا) و كقول مريم علاء القيسي (خدعت كوطني ، كنت أظنه ذلك الامان الذي انتشلني من وجعي ) لعله عالمهم الذي لامناص منه كما عبر عنه عمر ميثم الكناني (أريد الهروب من هذا العالم هل يوجد أحد يقول لي من أين المفر؟ ) ليس ذلك مغلق عليهم فهم كذلك اشتركوا بالأمل أو القوة المنبثقة من أرواحهم الشابة وأملهم الفتي كقول ملاك قحطان ( قال لي حين تعتم حياتك.. تذكريني فقط) مع الأمل سيكون العتاب على الرحيل ألم وذكرى وقوة ( امسك يدي وقال سنواجه العالم معا والى ألان يدي تؤلمني من شدة الفقد) لهذا كانت ايدلوجيات الشعراء تلتقي ولكن الصوت بإيقاعه يختلف والحس والخيال بتشبيهات عفوية تعطي للنص روح على بساطة البنية فان انزياحاتها تتسع لعالم أقوى وامنع في صيرورة اليتم أو الخذلان أو الفقد أو صورة محبة الاباء كقول نور الهدى حازم (في الكنيسة والمسجد هنا وهناك روحي في بعد ككل يوم تتلف بانتظار رؤيتك تسعد).
لم يكن الشوق مختلف فيهم ، فإشراقهم ظاهرة من دون رمزية ، أو إيحاء لها، فهم رسموا ما فقدوه بصورة لا تحتاج لمجهر ولم يكن الغموض ستارا لهم ، فقد اختاروا أن يكونون أكثر وضوحا تعبيرا لغموض ذلك المجتمع ، الذي يعيشون فيه ، ويختنقون منه في نفس السعادة التي عبارة عن ومضات لم تعطهم إلا ذلك الإشعاع من كوة كوخهم ،عبرت فيه نرجس عزيز ناظم عن أشواقها لأبيها بوضوح كباقي الشعراء وهي أصغرهم سنا وألصقهم لحنان الأب فالكلمة مصداق لبراءة أعتاب القدسية في خيال الجميع لما حملوه لمن فقدوا من أباء أو أمهات أو أصدقاء وأخوة فقد شمت رائحة والدها بكل مكان راوده أو تعلق به (أماكن أمر بها فأستنشق رائحتك, أتمنى أن يعيد الزمن تلك اللحظات والذكريات).
الديوان ( أشياء ) ذكرنا منه شيء بسيط ، لم نتعرض إلى ما يخوضه النقاد ، بل سلطنا الضوء على الأشياء التي تضيء في حياتنا وتترك امل عبر زمن كاد أن يتفق فيه الجميع على الخلاف واتفق فيه شعراء على مطارح الشوق و متاعب الحياة ، وفقدان الآباء ، نعم ، فيه من يريد أن يصيد أخطاء ، لكنه من أراد الصيد ، فقد نسي ( أشياء) وعمي عنها ، اشد على أيديكم ، وان شاء الله نجدكم أوسع من هذا وأكثر من ذاك حتى نرى طعم الحياة من تلك البراعم.. سأترككم مع مقاطع من ديوان أشياء للشاعرة مريم اسامة الخفاجي نهاية القول شيء والأشياء لا تنتهي:
وانبثق من بعد الخسارة
أمل جديد
فأنا عن اضمحلال القدرة جدا بعيد
*
في الحياة الجميلة الخالية من المشاكل
لا يوجد للبشر مكان
هم متواجدون في وادي صنع للأحزان
لا يريدون الفرح
وعنه مبتعدون.. حتى عيونهم
لم تعرف ان لها دمعا عند الأفراح يكون
*
بين ضحكات تعالت
وكلمات عن الأمل والأفراح خطت
لدمعي فقط كان الحضور الصادق.

